السلام عليكم ورحمة الله
تمهيــــد
لوحظ انتشار ما يسمى بالإعجاز العلمي في القرآن والسنة، حتى أصبح وكأنه "موضة" يجب متابعة كل جديد في هذا المجال والبحث عن أحدث ما يصدر ويخرج الى "الأسواق"، وكنت قد كتبت بعض الردود في أكثر من موضوع هنا بمنتدى الصايرة أحاول من خلالها مناقشة هذه الإشكالية، وخطر لي أن أحاول تنظيمها في موضوع مستقل لمزيد من الحوار والنقاش..
يبدو أن الوضع العقلي والفكري المتردي الذي يسود في عالم العرب والمسلمين يطبع كل ما ينتجونه من إنتاج فكري وثقافي، في الوقت الحالي، ومنذ عدة قرون تقريباً، يطبعه بالتبعية والشعور بالنقص، نظراً لوضعهم الحضاري الذي يرثى له، فالسمة الغالبة هي السطحية والخلو من العمق والجدية، وعدم وجود منهجية محددة يمكن من خلالها فهم وتفسير ما تقع عليه العين..
وفي الغالب فإن ما يسمى بالإعجاز العلمي لم يخرج عن هذا السياق، وهذه هي وجهة النظر التي سأحاول توضيحها هنا، وأعرضها للحوار الجاد بعيداً عن العواطف والإنفعالات.
الإيمان.. بالعقل أم بالقلب؟؟
بداية؛ يبدو أن كلمة "الإيمان" يكتنفها غموض لدى الكثيرين وليست بالوضوح الكافي لديهم، فيترتب على هذا الكثير من خلط الأمور ببعضها وربما الإنزلاق الى زلاتٍ وعثرات هم في غنى عنها.. وكل هذا يكون بحسن نية ومن دون تعمد أو إرادة واعية..
إن الإيمان لا يكون في ألأصل إلا بالقلب، أي بالباطن، وليس بالعقل، فالعقل للفهم والتفسير والإقتناع، فالإيمان بأمر ما يكون عبارة عن اليفين الثابت في(قلب) المؤمن بهذا الأمر، حتى لو لم يقبل العقل هذا الأمر، فالعقل محدود بالواقع الذي يكون حاضراً أمامه وقدرته على التفسير والفهم تقف عند حدٍ معين لا يمكنه تجاوزه، وهنا أي عند هذا الحد، يأتي دور الإيمان. وخلاصة القول أن الإيمان غالباً يكون بأمر غيبي غير مشهود، ولكنه يستقر في القلب ويكون يقيناً ثابتاً لا يتزعزع، ولو حدث أن تعارض أمر إيماني أوحى به الله تعالى مع فهم العقل وتفسيره فليس هذا لخطأ في الأمر الديني ولكنه لقصورٍ في العقل واستدلالاته..
ونستدل على أن الإيمان لا يكون إلا بالقلب أولا من كقول الله تعالى في سورة الحجرات
(قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) الحجرات 14، فالإيمان محله القلب وليس العقل، وكذلك ما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: بينما نحن عند الرسول صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه أحد منا، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه. وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه.
قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة.قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: أخبرني عن أمارتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق فلبثت ملياً، ثم قال لي: يا عمر: أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم. صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فواضح وظاهر أن الإيمان يكون بالقلب وهو إيمان بأمور غيبية ، ومن ثم فهو إيمان، فنحن لا نرى الله ولا الملائكة ولم نرَ الوحي وهو ينزل وليس لدينا دليل عقلي واقعي على اليوم الآخر، ولكنا (نؤمن) بها، حتى وإن كان العقل لا يملك ما يدلل به على كل هذا، فالإبمان إذن لا يكون بالعقل.. إنما هو بالقلب أولاً ثم يأتي العقل في مرحلة لاحقة...
كيف كانت الصورة قبل الكشوف العلمية؟
ما علاقة هذا إذن بموضوعنا عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة؟؟ قبل ظهور هذه الكشوفات العلمية والفيزيائبة كيف كان موقف السابقين عبر كل تلك القرون الماضية؟؟ ألم يكونوا (مؤمنين) بأن القرآن من عند الله وليس من عند رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم؟! كلا!.. فلم يكن أحد منهم - بداية من الصحابة رضوان الله عليهم حتى ما قبل الكشف العلمي الحديث - بحاجة الى دليل علمي أو إثبات فيزيائي لفكرة علمية في الفلك أو الطب أو الذرة أو غيرها من الأمور التي شاعت في زمننا هذا، لأنهم آمنوا أولاً ومن ثم وقر هذا الإيمان في القلب، فعملوا بما آمنوا به ولم ينتظروا ليتحدثوا عن علوم فيزيائية أو طبية أو هندسية في كتاب الله تعالى..
الإلهــي.. والبشـــري..
ننتقل إلى نقطة أخرى وهي أنني لا أدري كيف يمكن إخضاع ما هو وحي وإلهي وثابت لما هو بشري ونسبي ومتغير.. فالعلم مرتبط بظروف عصره ومكانه، وما يأتي لاحقاً قد يغير أو يلغي ما كان سابقاً وما كان يُعتقد أنه علم ثابت... فأينشتين جاء ليغير المشهد العلمي الذي كان سائداً منذ نيوتن، والثورات العلمية تلغي بعضها بعضا، فليس من العقل الحكم على القرآن أو الحديث النبوي الشريف بمنجزات علمية عصرية، قد يأتي من يغير من صورتها.. ثم إن الإيمان لا يشترط أن يثبت لنا العلم ما هو في النص، فهل كان على الصحابة الكريم أن يواصلوا شرب الخمر حتى يأتي العلم ليثبت لهم أن الخمر تسبب أمراض كذا وكذا ، وكذلك لحم الخنزير.. هل كان عليهم ان ينتظروا اثبات العلم لكذا أو كذا..؟؟ كلا !
إذا كان كل شئ واقعاً ومعقولاً فكيف يكون الإيمان؟؟
وهنا أحب أن أوضح أن محاولة رد كل شئ الى العقل والعلم والواقع تؤدي في نهاية المطاف الى أن تبهت شعلة الإيمان شيئاً فشيئاً وهنا يبزغ الشك وتطل الحيرة برأسها ويدخل المرء في متاهات وفوضى لا نهاية لها، وهذا الأمر واضح وظاهر في الغرب، حيث إن المرء هناك لا يؤمن إلا بما يراه وتثبته التجربة والعلم، فالإنسان هناك استبدل بالله إلهاً آخر وهو العلم، وكل حديث عن أمور غيبية أو (ميتافيزيقية) هو من قبيل الخرافات والشعوذات.. وقد تطور هذا الأمر في سياق مختلف عن سياقنا الإسلامي الوجداني، وفي واقع وظروف مختلفة عن ظروفنا وواقعنا، فهل نقلده أيضاً تقليداً أعمى في هذه النقطة ونحاول أن نُخضع كتاب الله (القرآن!) للنظريات العلمية والعقل القاصر وننحي الإيمان بالقلب جانباً؟؟؟
العلم متغيــر ونسبي..
عند هذا الحد لا يفوتني أن أقول ما ذكره الأخ الحبيب أحمد ريفولوشن في موضوع سابق، وملخصه أنه ماذا لو جاء كشف علمي آخر في زمن قادم وأثبت خطأ النظرية العلمية التي نتحدث عنها، وهذا حدث كثيراً، فالعلم كما قلت نسبي ومتغير ومرتبط بظروف الزمان والمكان، ماذا لو حدث هذا؟؟ هنا يكون المتحدثون عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم أمام حل من اثنين، إم أن يتزعزع إيمانهم ويعتقدون أن النص الديني به خطأ!! أو يبحثوا عن نظرية أخرى تخطئ النظريةَ الجديدةَ وتثبت لهم ما يريدون إثباته بالعلم والعقل.. ويتحول الأمر الى جدال عقيم ويضيع النص القرآني وتتلاشى الغاية الأولى من القرآن الكريم، وهي أنه كتاب هداية ومنهاج حياة وليس فيزياء او كيمياء..
لماذا تخلفنا إذن؟؟!
أيضاً هناك نقطة أخرى مهمة تطرح نفسها، إذا كان القرآن الكريم، كما يدعي هؤلاء، كتاباً علمياً وقد قدم لنا كل العلوم الفيزيائية والطبية والكيميائية والهندسية والفلكية وغيرها مما قد يخطر لك على بال، فلماذا لم نستخرج هذه العلوم ولم نتقدم على الغرب، وهنا يكون علينا أن نسبق العالم كله في مراقي التقدم والحضارة وعلينا أن نخرج لساننا للغرب لأن لدينا كل شئ جاهز وحاضر.. ولكننا فقط نترك للآخرين الفتات والبقايا..
القرآن؛ كتاب هداية ومنهاج حياة أم كتاب علــوم؟؟!
وهنا يجب التنويه بل والتأكيد على بأن النص الديني، أعني القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، ليس للبحث عن انجاز علمي أو معلومات طبية أو هندسية أو أو.. فالنص بالدرجة الأولى منهج حياة، وهدفه وغايته أوسع وأكبر بكثير من كشف علمي طبي او هندسي أو فلكي أو غير ذلك.. فهنا يتم إهمال أو تجاهل الغاية الأولى من النص وهي كونه منهجاً للحياة وهداية للإنسان، ويتم الوقوف عند أشياء سطحية مؤقتة متغيرة..
الخلط بين المناهــج..
وأيضاً مما يجدر ذكره أنه داخل ما يسمي بالإعجاز العلمي يتم خلط غريب للأشياء، فيتم الخلط بين المنهج العلمي والمنهج الديني، فالعلم له حدوده ومناهجه التجريبية العقلية، والدين له منهجه الإلهي عن طريق الوحي، والخلط بين هذين المنهجين يشوه صورة كلٍ منهما، فلا يصبح ما هو ديني دينياً، ولا ما هو علمي يبقى علميا، ويختلط الحابل بالنابل..
في الختام أحب أن أوضح أنني لست ضد العلم، فقد درست في فترة سابقة من حياتي دراسة علمية متخصصة، وعلى علم بأكثر هذه النظريـات، ومن ثم فإنني لست رافضاً للكشوف العلمية وما حققته النظريات العلمية من انتصاراتٍ خدمت الإنسانية في جانب وأضرت بها في جانب آخر، ولست ممن يودون العودة الى الوراء قروناً وقروناً، ولكني أحب رد الأمور الى حدودها الطبيعية ووضعها في سياقها الصحيح.. حتى لا تتوه منا الحقيقة أو نتوه عنها، أو يتفرق دمها ويضيع.. بين القبائل!
ولمن يحب أن يطالع المزيد أقدم رؤيتين واحدة مؤيدة وأخرى معارضة
وجهة النظر المؤيدة هي للأستاذ الدكتور أحمد شوقي ابراهيـم وهي بعنوان:
المنهج العلمي في دراسة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة
على هذا الرابــط:
http://www.islamonline.net/Arabic/co...article1.shtml
وجهة النظر المعارضة هي للدكتور خالد منتصر؛ وهي في كتاب بعنوان:
وهم الإعجاز العلمي
على هذا الرابط:
http://www.4shared.com/file/52826311...mel_e3gaz.html هذه هي الفكرة العامة لوجهة النظر التي حاولت عرضها، وربما أتحدث بالتفصيل أكثر في مشاركات لاحقــة..
والله وحده أعلم وهو يهدي الى الحق وإلى سواء السبيل..
خالص التحية والتقديــر،،